د. عبدالله حسين كراز
مزقت أحلامي
فغامت
شهقة التوديع
أثخنها الوجع
وترمد العشق
المعبأ في الكؤوس
صبابة
لم يثنه وتر
ولم يحفل بأنات ودمع
وذوى الأمل
والليل يحرق
وجه قافيتي
فتبتهل الصور
وتردد الآهات تزفر باللهب
وأنا هنا
بين السطور حقيقة
جرح يطل
ليل من الأشواق
لم يهدأ ولم ينضب ولم
وأنا هنا
صوت تمدد في زوايا الأمس
يبحث عن خبر
فيشدني وقع السؤال
لما مضى
أأنا نسيت ؟
فارتمت كل الثواني
مترعات بالندم
أأنا نسيت ؟
ويظل يلفحني السؤال بظله
ألماً
يبعثر صمت أيامي
فتحكي الذكريات
قلبي هناك
وجهي وأحلام صبايَ
المترفات
وجعي هناك
ونوافذ أمست يغازلها القمر
لا الشوق أغراها
ولا أدمى مآقيها السهر
عصفوري المنسي مثلي
لا يزال
يشدو بألحان الغرام
فتضمه كف الزمان قصيدة
وسنى يعطرها الغمام
فيذيبني صوت الغناء
وأشتهي همس المطر
ليلي شتاء
جرحي وأيام اللقاء
وأنين عاصفة
تعالى في المدى
في صوتها رعد وشيء من بكاء
يا ليلي المضنى
ويا قنديل ضوء قد تهاوى
تحت أقدام الظلام
يا رفيقا القلب
ما أقسى الملام
فطريق خارطتي تغير واستقام
ويظل يغريني الرجوع
ويظل يقلقني السؤال
"فإطلالة جرح" تسكن القصيدة وتهيمن بإرهاصاتها على شيفرات المشاعر والأحاسيس التي تركتها الذات الشاعرة تجسد الفكرة والموضوعات التي اشتغل عليها النص، بدءاً ب"مزقت أحلامي،" والتي تشكل بؤرة بنيوية في النص تجسد الأحلام وتشيؤها كما لو كانت شئياً يتم حمله والإحساس به ديناميكياً وحركياً ونفسياً. ولنتائج البوح الحزين والصوت السوداوي المرسوم في لوحة القصيدة دلالات تتعدد وتتوالد، لذا نرى تقنية التشخيص والتجسيد تسيطر على أسلوب الشاعرة وهو ما يمكنها من التأثير على المتلقي حين يقف متأملاً النص وتلافيفه وصوره الجمالية، فالشهقة التي أصدرتها الروح الشاعرة هنا توحي بعمق الأزمة الوجدانية والحسية التي سكنت جنبات النص وجسدت واقعاً لا يترك الشاعرة في حالٍ أفضل، وهذا ما يدل عليه النص تلقائياًَ في:
فغامت
شهقة التوديع
التي توحدت في جسد الذات الشاعرة بكل اجتراحاتها حين يثحنها الوجع الذي يلازم الروح والجسد معاً:
أثخنها الوجع
حتى العشق كمفهوم أصبح في خاطر الشاعرة شيئاً مهزوماً ومترنحاً حين يترمد ويوضع في كؤوسٍ لا تشبع:
وترمد العشق
المعبأ في الكؤوس
وهنا لا بد من استشراف ما سيأتي في متن النص معززاً حالةًً كونيةً تنسجم مع أي شخص في أي وقت ومكان، حين تواصل الذات الشاعرة بوحها الشعري والشعروي، وبتوظيف أدوات الشاعرية التي تجسد المعنوي والحسي وتمنحه لعداً دلالياً مؤثراً في الذات القارئة أياً كان موقعها وحلمها في الحياة المسكونة بالوجع والأنات، ما يعني أن الأمل الذي توقعناه حاصلاً بدأ يتبدد ويتلاشى بفعل الصدمة وقدوم الليل الحارق الذي تحول لشخصٍ سئ الأفعال والصيت، وتمت أنسنته ويقوم بفعل الحرق غير مبالٍ بالمشاعر الإنسانية التي تطمع الشاعرة أن تبقي عليها في كل حين ووقت وحالة. هذا الليل الذي يحمل أكثر من دلالةٍ ورمزيةٍ يتحدى بناره قافية العشق والحب والحميمية:
وذوى الأمل
والليل يحرق
وجه قافيتي
وتكون نتيجة العملية برمتها ابتهال الصور على غموضها وعدم وضوحها أو تحديدها، فهي أي صور تمر في الخيال وتقتحم عالم النفس الباطني الذي تحول برمزيته إلى عالم إنساني صاخب بفعل الآهات الزافرة بلهب العشق والحب والأحلام:
وتردد الآهات تزفر باللهب
ويتحول الخطاب إلى العالم الذاتي للشاعرة والمنطوي على خصوصية لا تأبه الشاعرة أن تشارك القارئ في تداعياته طلباً للتماهي والتوحد معها، والنبرة في سياقها حزينة متشظية وقلقة كما الحال في عالمنا المعاصر، حيث البحث عن الذات وفيها في أدق تفاصيل اليومي والواقعي والمتخيل والحالم:
وأنا هنا
بين السطور حقيقة
للتحول الذات إلى إرهاصات معنوية وذات دلالات رمزية تدخل في عالم الجماليات، بحيث تارةً تصير الذات:
جرح(اً) يطل
بكل ما تعنيه الكلمة (جرح) من إيحاءات وإحالات لما هو في حالة الجرح الذي يتسبب في ألم ووجع ومعاناة عبر تيار الزمن ووعي الذات الشاعرة، ثم يأتي التحول الثاني حثيثاً لتصبح الذات الإنسانية بشكل مدهشٍ ومفاجئٍ عالماً طبيعياً ليلياً من الأشواق وليس من المخاوف والرعب والرهبة والهلع والتوجس والقلق:
ليل من الأشواق
وهذا يعكس نقطة تفاؤل لدى الذات الشاعرة وأملاً في استغلال عالم الليل للتفكر في معالم الأشواق التي تحلم بها العاطفة الباطنية المستترة وراء البوح وتفاصيله، وهو دلالة قوية على قوة إرادة تلك الذات وإصرارها على التحدي ونيل الأماني.
ومع تكثيف حالة الأنا التي تتجسد في تفاصيل النص من خلال توظيف أدوات شاعرية تخدم فكرته وتزيده حيويةً وثراءً لفظياً ودلالياً، تبدو الذات الشاعرة أكثر تصميماً على المضي قدماً في البحث عن الذات الخاصة والفردية التي تعمل على بنائها وتشكيل قدراتها في خضم هذه الحياة التي تمتد من مهد الولادة بكل حيثياته وطقوسه إلى لحد العالم السفلي بكل تفاصيله وطقوسه وعوالمه. فالأنا الشاعرة بكل وعيها تعبر عن إدراكها الباطني وما يخبؤه من أسرار شخصية وذاتية حالمة بكل ما هو جميل ومريح لتجد ضالتها في "خبرٍ" يدلها على كينونتها وعالمها المتفرد والخاص عبر كونٍ من الذكريات التي تستمد قوتها منها ولكن ليس بعيداً عن باقي البشر والطبيعة وأشيائها، رغم "صمت الأيام" ودوام السؤال.
وفي انتقال مفاجئ للخطاب الشاعري والنفسي والوجداني والدال على وعي الذات الشاعرة بضرورة استحضار ما تبقى من وعي الذكريات الدافقة عبر بوابة الزمن و"نوافذ أمست يغازلها القمر،" وبعد التجريب – أو التجربة العاطفية والحسية – تقرر الذات الباطنية أن التجربة تلك أفضت إلى:
لا الشوق أغراها
ولا أدمى مآقيها السهر
بكل ما تحمله مفردات صُوَرية – تصويرية - دلالية وسياقية شاعرية مثل "الشوق" التي تكررت وأكدت رغبة الشاعرة الأكيدة في تنميته في القلب وعبر التواصل والتفاني والوفاء، ثم مفردة "أدمى" التي تعكس حجم المعاناة والوجع والألم والقلق والحيرة لدى الذات الشاعرة التي أصيبت "مآقيها" بحمى السهر، وهو ما يدفع تلك الذات على استحضار عنصر تفاؤل وأمل بكل ما يحمله من دلالات الحرية والتحرر من وهم اليومي والواقعي والخيالي، ألا وهو "العصفور" بصورته الرمزية والأسطورية كطائر يسمو في عالم الذات ويلهمها في استمراره "يشدو بألحان الغرام، "وتكون ردة التفاعل والفعل في "فتضمه كف الزمان قصيدة" في محاولة متكررة للبحث عن الذات التي نسيها الزمن مع نسانه للعصفور محط أمل الشاعرة وبؤرة تماهيها وتوحدها. وما تبقى من المقطع ذاته يعزز فكرة البحث عن الذات في فصل حياتي أشد مرارةً وألماً ووجعاً وقلقاً، لتحيلنا تلك الذات إلى طقوس متولدة في "سنى يعطرها الغمام" وفي "صوت الغناء" و "همس المطر" حين يتحول الليل لطقوس الشتاء في إزاحته عن كونه ليل الشوق والغرام الإنساني/ وبكل ما تحمله تلك الألفاظ من دلالات ومؤشرات عن تعزيز بؤر التفاؤل والأمل التي تتنامى في باطن الذات الشاعرة ويطغى على تفكيرها وتدبيرها، رغم ما تحيكه قوى الطبيعة من "أنين عاصفة" التي "في صوتها رعد وشيء من بكاء،" وهو ما تنطوي عليه القصيدة من تجسيدات وأنسنة وتشخيصات جمالية تعزز فكرة النص وتقوي ثيماته وأغراضه التي توحدت في فضاء القصيدة.
ووسط عالم الليل وفي خضم طقوس الطبيعة الباعثة والدالة على هيمنة الخوف والريبة والقلق في تلافيف الذات الباطنية للشاعرة الإنسانة، تكثف الشاعرة من وصفها واستحضارها للمفردات التي تدل على ذلك مثل "ليلي المضني" وكأن الليل تحول إلى إنسان أوشخص يهدد كيان الشاعرة ويطيل حالة التظشي والحيرة والقلق حين يتهاوى "قنديل ضوء" "تحت أقدام الظلام،" وكأن الليل تحول هو الآخر إلى وحش كاسر ومرعب له أقدام ويمارس بها أشكال التعذيب والتهديد للذات التي هوى قنديلها تحت قدميه.
بطريقة مونولوجية فنية دالة يتحول خطاب النص الشاعري إلى بؤرة القلب في مناجاة بائسة موجهةٍ إلى الذات وما حوت، وبنبرة فيها تندب حظها وحالها، ولكنها لا تستكين رغم قسوة الملام، إذ يطرأ تغيّرٌ طقوسي ونفسي وعاطفي بالدرجة الأولى ينتج عنه تحوّلٌ في خارطة الذات الشاعرة التي تغير طريقها واستقام على نحو تمنته منذ بداية المونولوج الدرامي وحبكته الشاعرية وبكل ما وظفته الشاعرة من جماليات وأدوات نصية وشعرية وحدت من خلالها الموضوع والفكرة والثيمات النصهرة في ظلال القصيدة وحروفها وصورها وعباراتها وأبنيتها اللغوية والفنية والبلاغية والبديعية. لذا، تصر الشاعرة على طمأنة القارئ – أياً كان مزاجه وهواه – أنها في طريقها للفوز بالحلم والأمل وتحقيقهما بحيث:
ويظل يغريني الرجوع
ويظل يقلقني السؤال
السؤال المنبجس عن قرار الرجوع والتوحد واستعادة الذات في كيانها المرسوم في ذهن الشاعرة ومخيلتها ووعيها، لكنه السؤال الذي سيزول حتماً حين تستقر الروح الإنسانية وجسدها في كيان إنساني واحد وعصي عن الاغتراب والتغرّب مرةً أخرى.
النص يرسم لنا معالم حالة شاعرية اتقنت الشاعرة توظيف جملةٍ من أدوات الكتابة الشعرية والفنية من تكثيف للصور والتعبيرات وعرض روح رؤياها في قالب شاعري سليم بأبنيته وتراكيبه التي أسهمت في تعميق دلالات النص وفكرته.
د. عبدالله حسين كراز
شاعر وناقد وأستاذ جامعي - فلسطين
مع الشكر والتقدير لـ د. عبدالله حسين كراز ولمنتدى القصيدة العربية
المصدر
http://www.alqaseda.com/vb/showthread.php?t=2199








