رهيف الهوى

شيـــىء منــي

الأنا الشاعرة تحت المجهر: البحث عن الذات في قصيدة "إطلالة جرح" للشاعرة مها العتيبي

الأنا الشاعرة تحت المجهر: البحث عن الذات
في قصيدة "إطلالة جرح" للشاعرة مها العتيبي

د. عبدالله حسين كراز
القصيدة:

إطلالة جرح
مزقت أحلامي
فغامت
شهقة التوديع
أثخنها الوجع
وترمد العشق
المعبأ في الكؤوس
صبابة
لم يثنه وتر
ولم يحفل بأنات ودمع
وذوى الأمل
والليل يحرق
وجه قافيتي
فتبتهل الصور
وتردد الآهات تزفر باللهب
وأنا هنا
بين السطور حقيقة
جرح يطل
ليل من الأشواق
لم يهدأ ولم ينضب ولم
وأنا هنا
صوت تمدد في زوايا الأمس
يبحث عن خبر
فيشدني وقع السؤال
لما مضى
أأنا نسيت ؟
فارتمت كل الثواني
مترعات بالندم
أأنا نسيت ؟
ويظل يلفحني السؤال بظله
ألماً
يبعثر صمت أيامي
فتحكي الذكريات
قلبي هناك
وجهي وأحلام صبايَ
المترفات
وجعي هناك
ونوافذ أمست يغازلها القمر
لا الشوق أغراها
ولا أدمى مآقيها السهر
عصفوري المنسي مثلي
لا يزال
يشدو بألحان الغرام
فتضمه كف الزمان قصيدة
وسنى يعطرها الغمام
فيذيبني صوت الغناء
وأشتهي همس المطر
ليلي شتاء
جرحي وأيام اللقاء
وأنين عاصفة
تعالى في المدى
في صوتها رعد وشيء من بكاء
يا ليلي المضنى
ويا قنديل ضوء قد تهاوى
تحت أقدام الظلام
يا رفيقا القلب
ما أقسى الملام
فطريق خارطتي تغير واستقام
ويظل يغريني الرجوع
ويظل يقلقني السؤال


القراءة

من الواضح أن النص ينطوي على نبرة تلوكها المشاعر الحزينة والحائرة بدلالة العنوان أولا والذي أصبح بوصلة لما يتداعى من عبق الحروف والكلمات التي تحمل دلالات الشاعرة عند تشخيصها للجرح الملازم لكينونتها الإنسانية والذي يمر هكذا في إطلالة عابرة لا تطيل إقامتها في باطن النفس الإنسانية، وهو ما يدل على حرص الشاعرة في ترك بصيص أمل لما سيأتي من أحلام تتحقق في ما تبقى من عمر القصيدة لاحقاً. ثم تكون النبرة أقوى وأعمق بتداعي الصور الدالة والتي جمّلتها رمزية المدلولات التي عبأت فضاء البوح ثانياً وتركت القارئ يهيم في عالم النص على ما فيه من محسنات بديعية عززت فكرة النص ورؤية الشاعرة.
"فإطلالة جرح" تسكن القصيدة وتهيمن بإرهاصاتها على شيفرات المشاعر والأحاسيس التي تركتها الذات الشاعرة تجسد الفكرة والموضوعات التي اشتغل عليها النص، بدءاً ب"مزقت أحلامي،" والتي تشكل بؤرة بنيوية في النص تجسد الأحلام وتشيؤها كما لو كانت شئياً يتم حمله والإحساس به ديناميكياً وحركياً ونفسياً. ولنتائج البوح الحزين والصوت السوداوي المرسوم في لوحة القصيدة دلالات تتعدد وتتوالد، لذا نرى تقنية التشخيص والتجسيد تسيطر على أسلوب الشاعرة وهو ما يمكنها من التأثير على المتلقي حين يقف متأملاً النص وتلافيفه وصوره الجمالية، فالشهقة التي أصدرتها الروح الشاعرة هنا توحي بعمق الأزمة الوجدانية والحسية التي سكنت جنبات النص وجسدت واقعاً لا يترك الشاعرة في حالٍ أفضل، وهذا ما يدل عليه النص تلقائياًَ في:

فغامت
شهقة التوديع
التي توحدت في جسد الذات الشاعرة بكل اجتراحاتها حين يثحنها الوجع الذي يلازم الروح والجسد معاً:
أثخنها الوجع
حتى العشق كمفهوم أصبح في خاطر الشاعرة شيئاً مهزوماً ومترنحاً حين يترمد ويوضع في كؤوسٍ لا تشبع:
وترمد العشق
المعبأ في الكؤوس
وهنا لا بد من استشراف ما سيأتي في متن النص معززاً حالةًً كونيةً تنسجم مع أي شخص في أي وقت ومكان، حين تواصل الذات الشاعرة بوحها الشعري والشعروي، وبتوظيف أدوات الشاعرية التي تجسد المعنوي والحسي وتمنحه لعداً دلالياً مؤثراً في الذات القارئة أياً كان موقعها وحلمها في الحياة المسكونة بالوجع والأنات، ما يعني أن الأمل الذي توقعناه حاصلاً بدأ يتبدد ويتلاشى بفعل الصدمة وقدوم الليل الحارق الذي تحول لشخصٍ سئ الأفعال والصيت، وتمت أنسنته ويقوم بفعل الحرق غير مبالٍ بالمشاعر الإنسانية التي تطمع الشاعرة أن تبقي عليها في كل حين ووقت وحالة. هذا الليل الذي يحمل أكثر من دلالةٍ ورمزيةٍ يتحدى بناره قافية العشق والحب والحميمية:
وذوى الأمل
والليل يحرق
وجه قافيتي
وتكون نتيجة العملية برمتها ابتهال الصور على غموضها وعدم وضوحها أو تحديدها، فهي أي صور تمر في الخيال وتقتحم عالم النفس الباطني الذي تحول برمزيته إلى عالم إنساني صاخب بفعل الآهات الزافرة بلهب العشق والحب والأحلام:
وتردد الآهات تزفر باللهب
ويتحول الخطاب إلى العالم الذاتي للشاعرة والمنطوي على خصوصية لا تأبه الشاعرة أن تشارك القارئ في تداعياته طلباً للتماهي والتوحد معها، والنبرة في سياقها حزينة متشظية وقلقة كما الحال في عالمنا المعاصر، حيث البحث عن الذات وفيها في أدق تفاصيل اليومي والواقعي والمتخيل والحالم:
وأنا هنا
بين السطور حقيقة
للتحول الذات إلى إرهاصات معنوية وذات دلالات رمزية تدخل في عالم الجماليات، بحيث تارةً تصير الذات:
جرح(اً) يطل
بكل ما تعنيه الكلمة (جرح) من إيحاءات وإحالات لما هو في حالة الجرح الذي يتسبب في ألم ووجع ومعاناة عبر تيار الزمن ووعي الذات الشاعرة، ثم يأتي التحول الثاني حثيثاً لتصبح الذات الإنسانية بشكل مدهشٍ ومفاجئٍ عالماً طبيعياً ليلياً من الأشواق وليس من المخاوف والرعب والرهبة والهلع والتوجس والقلق:
ليل من الأشواق
وهذا يعكس نقطة تفاؤل لدى الذات الشاعرة وأملاً في استغلال عالم الليل للتفكر في معالم الأشواق التي تحلم بها العاطفة الباطنية المستترة وراء البوح وتفاصيله، وهو دلالة قوية على قوة إرادة تلك الذات وإصرارها على التحدي ونيل الأماني.
ومع تكثيف حالة الأنا التي تتجسد في تفاصيل النص من خلال توظيف أدوات شاعرية تخدم فكرته وتزيده حيويةً وثراءً لفظياً ودلالياً، تبدو الذات الشاعرة أكثر تصميماً على المضي قدماً في البحث عن الذات الخاصة والفردية التي تعمل على بنائها وتشكيل قدراتها في خضم هذه الحياة التي تمتد من مهد الولادة بكل حيثياته وطقوسه إلى لحد العالم السفلي بكل تفاصيله وطقوسه وعوالمه. فالأنا الشاعرة بكل وعيها تعبر عن إدراكها الباطني وما يخبؤه من أسرار شخصية وذاتية حالمة بكل ما هو جميل ومريح لتجد ضالتها في "خبرٍ" يدلها على كينونتها وعالمها المتفرد والخاص عبر كونٍ من الذكريات التي تستمد قوتها منها ولكن ليس بعيداً عن باقي البشر والطبيعة وأشيائها، رغم "صمت الأيام" ودوام السؤال.
وفي انتقال مفاجئ للخطاب الشاعري والنفسي والوجداني والدال على وعي الذات الشاعرة بضرورة استحضار ما تبقى من وعي الذكريات الدافقة عبر بوابة الزمن و"نوافذ أمست يغازلها القمر،" وبعد التجريب – أو التجربة العاطفية والحسية – تقرر الذات الباطنية أن التجربة تلك أفضت إلى:
لا الشوق أغراها
ولا أدمى مآقيها السهر
بكل ما تحمله مفردات صُوَرية – تصويرية - دلالية وسياقية شاعرية مثل "الشوق" التي تكررت وأكدت رغبة الشاعرة الأكيدة في تنميته في القلب وعبر التواصل والتفاني والوفاء، ثم مفردة "أدمى" التي تعكس حجم المعاناة والوجع والألم والقلق والحيرة لدى الذات الشاعرة التي أصيبت "مآقيها" بحمى السهر، وهو ما يدفع تلك الذات على استحضار عنصر تفاؤل وأمل بكل ما يحمله من دلالات الحرية والتحرر من وهم اليومي والواقعي والخيالي، ألا وهو "العصفور" بصورته الرمزية والأسطورية كطائر يسمو في عالم الذات ويلهمها في استمراره "يشدو بألحان الغرام، "وتكون ردة التفاعل والفعل في "فتضمه كف الزمان قصيدة" في محاولة متكررة للبحث عن الذات التي نسيها الزمن مع نسانه للعصفور محط أمل الشاعرة وبؤرة تماهيها وتوحدها. وما تبقى من المقطع ذاته يعزز فكرة البحث عن الذات في فصل حياتي أشد مرارةً وألماً ووجعاً وقلقاً، لتحيلنا تلك الذات إلى طقوس متولدة في "سنى يعطرها الغمام" وفي "صوت الغناء" و "همس المطر" حين يتحول الليل لطقوس الشتاء في إزاحته عن كونه ليل الشوق والغرام الإنساني/ وبكل ما تحمله تلك الألفاظ من دلالات ومؤشرات عن تعزيز بؤر التفاؤل والأمل التي تتنامى في باطن الذات الشاعرة ويطغى على تفكيرها وتدبيرها، رغم ما تحيكه قوى الطبيعة من "أنين عاصفة" التي "في صوتها رعد وشيء من بكاء،" وهو ما تنطوي عليه القصيدة من تجسيدات وأنسنة وتشخيصات جمالية تعزز فكرة النص وتقوي ثيماته وأغراضه التي توحدت في فضاء القصيدة.
ووسط عالم الليل وفي خضم طقوس الطبيعة الباعثة والدالة على هيمنة الخوف والريبة والقلق في تلافيف الذات الباطنية للشاعرة الإنسانة، تكثف الشاعرة من وصفها واستحضارها للمفردات التي تدل على ذلك مثل "ليلي المضني" وكأن الليل تحول إلى إنسان أوشخص يهدد كيان الشاعرة ويطيل حالة التظشي والحيرة والقلق حين يتهاوى "قنديل ضوء" "تحت أقدام الظلام،" وكأن الليل تحول هو الآخر إلى وحش كاسر ومرعب له أقدام ويمارس بها أشكال التعذيب والتهديد للذات التي هوى قنديلها تحت قدميه.
بطريقة مونولوجية فنية دالة يتحول خطاب النص الشاعري إلى بؤرة القلب في مناجاة بائسة موجهةٍ إلى الذات وما حوت، وبنبرة فيها تندب حظها وحالها، ولكنها لا تستكين رغم قسوة الملام، إذ يطرأ تغيّرٌ طقوسي ونفسي وعاطفي بالدرجة الأولى ينتج عنه تحوّلٌ في خارطة الذات الشاعرة التي تغير طريقها واستقام على نحو تمنته منذ بداية المونولوج الدرامي وحبكته الشاعرية وبكل ما وظفته الشاعرة من جماليات وأدوات نصية وشعرية وحدت من خلالها الموضوع والفكرة والثيمات النصهرة في ظلال القصيدة وحروفها وصورها وعباراتها وأبنيتها اللغوية والفنية والبلاغية والبديعية. لذا، تصر الشاعرة على طمأنة القارئ – أياً كان مزاجه وهواه – أنها في طريقها للفوز بالحلم والأمل وتحقيقهما بحيث:
ويظل يغريني الرجوع
ويظل يقلقني السؤال
السؤال المنبجس عن قرار الرجوع والتوحد واستعادة الذات في كيانها المرسوم في ذهن الشاعرة ومخيلتها ووعيها، لكنه السؤال الذي سيزول حتماً حين تستقر الروح الإنسانية وجسدها في كيان إنساني واحد وعصي عن الاغتراب والتغرّب مرةً أخرى.
النص يرسم لنا معالم حالة شاعرية اتقنت الشاعرة توظيف جملةٍ من أدوات الكتابة الشعرية والفنية من تكثيف للصور والتعبيرات وعرض روح رؤياها في قالب شاعري سليم بأبنيته وتراكيبه التي أسهمت في تعميق دلالات النص وفكرته.

د. عبدالله حسين كراز
شاعر وناقد وأستاذ جامعي - فلسطين

مع الشكر والتقدير لـ د. عبدالله حسين كراز ولمنتدى القصيدة العربية

المصدر
http://www.alqaseda.com/vb/showthread.php?t=2199


تداعيات في زمن يخلو من الحبّ

                      تداعيات في زمن يخلو من الحبّ 
 
 
 
لك الله أيها الحبّ ، لم تعد النفوس تدرك جمالك ، ولم تعد تستوعب روعتك ، فكم زجّ بك ،وكم أصبحت مدانا . 

في هذا الزمن المليء بالمتناقضات الفكرية والثقافية ،ومن خلال قراءاتي عبر الشبكة ،وجدت تناقضاً فكرياً وفهما مخلوطاً لمعنى الحبّ ، وكأن الكتابة أو التعبير عن الحب هي حكر لجنس دون آخر ،وكأن الكتابة التي تصف الحبّ الراقي الشفيف هي جريمة لا تغتفر،ومأخذ على كل من يقع فيه.

إن أي تجربة أدبية إبداعية هي مزيج لتجربة إنسانية ليس شرطاً بأن يعيشها كاتبها بكل تفاصيلها وإنما تعتمد على قدرته على تقمص الحالة الشعورية وقدرته على إدراك أبعادها وكنهها ثمّ التعبير عنها بشكل جميل يجعل المتلقي قريباً من هذه الحالة ،فالصياغة شيء أساس لإظهار التجربة .

ولا يعيب الكاتب رجلاً أو امرأة أن يتطرق إلى الحالات الشعورية الإنسانية الراقية ووصفها ، فالنساء شقائق الرجال في الحياة وتحمّل الأعباء ، ألا يكن شقائق الرجال في التعبير عن العواطف ومكنوناتها .

لاحظت من بعض من يدعون الثقافة أنهم يلوون أعناق النصوص لإظهار التعبيرات والإيحاءات العاطفية الشعورية وتصويرها بأنها حالات من الجرأة والخروج على الذائقة .

وأرى أن السبب في عدم إدراك البعض لروعة مشاعر الحبّ الراقية هو الفقر الشعوري والعوز لإدراك الجمال ،والحبّ هو أرقى أنواع الجمال ،فكل شخص يرى الأمور بمنظاره ،وبما تؤهله خلفياته الأدبية ،وبما يكنه وجدانه من جمال أو عدمه .

فالحب ن صفات الكمال في الإنسان ، قال ابن القيم رحمه الله :

العشق يصفي العقل ،ويذهب الهمّ ،ويبعث على حسن اللباس ،وطيب المطعم ،ومكارم الأخلاق ، ويعلي الهمّة ، ويحمل على طيب الرائحة ،وكرم العشرة ، وحفظ الأدب والمروءة، وهو بلاء الصالحين ، ومحنة العابدين ، وهو ميزان العقول ، وجلاء الأذهان ،وهو خلق الكرام ،كما قيل:

وما أحببتها فحشاً ولكن 
           رأيت الحبّ أخلاق الكرام

وذكر رحمه الله أنه قيل لأحدهم :

متى يكون الفتى بليغاً ؟

قال: إذا صنّف كتاباً، أو وصف هوىً أو حبيباً.

فلك الله أيها الحبّ في زمن أصبح التعبير عنك جريمة لا تغتفر.



<<الصفحة الرئيسية